مصطفى صادق الرافعي
122
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
مفتريات . فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولو طمع فيه لتكلفه ، ولو تكلفه لظهر ذلك ، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض ، فدل ذلك العاقل على عجز القوم ، مع كثرة كلامهم ، واستجابة لغتهم ، وسهولة ذلك عليهم ؛ وكثرة شعرائهم ؛ وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته ، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله ؛ وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه ؛ وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس ، والخروج من الأوطان وإنفاق الأموال ، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات ؛ ولهم القصيد العجيب ، والرجز الفاخر ، والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة ، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور ، ثم تحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم . فمحال - أكرمك اللّه - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر ، والخطأ المكشوف البيّن مع التقريع بالنقص ، والتوقيف على العجز ، وهم أشد الخلق أنفة ، وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد عملهم وقد احتاجوا إليه ، والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض ، فكيف بالظاهر الجليل المنفعة ، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا وعشرين سنة « 1 » على الغلط في الأمر الجليل المنفعة ، فكذلك محال أن يتركوه وهم يعرفون ويجدون السبيل إليه ، وهم يبذلون أكثر منه ا ه - . على أن التاريخ لا يخلو من أسماء قوم قد زعموا أنهم عارضوا القرآن ، فمنهم من ادّعى النبوّة وجعل ما يلقيه من ذلك قرآنا كيلا تكون صنعته بلا أداة . . . على أنه لا أتباع له من غير قومه ، ولا يشايعه من قومه طائفة يستنفرون لأمره ويعطفون عليه جنبات الناس حتى يجمعوا له أخلاطا وضروبا ، وقد تبعوه وشمّروا في ذلك حمية وعصبية ، وحدبا من الطباع على الطباع « 2 » فهم في غنى عن نبوته وقرآنه ، وإنما رأيهم الخطار بالأنفس والأموال على ما تنزعهم إليه الطبيعة ، مقاربة لمن قارب صاحبهم ، ومباعدة
--> ( 1 ) هي مدة رسالته ، صلّى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) وذلك أمر قد اطرد لكل المتنبئين من العرب ، وهم : مسيلمة ، والأسود العنسي ، وطليحة ، وسجاح ، وسنذكر طرفا من أخبارهم بعد ، وقد رووا أن طلحة النمري جاء اليمامة فقال : أين مسيلمة ؟ قلوا : مه ، رسول اللّه ! فقال : لا . حتى أراه ! فلما جاءه قال : أنت مسيلمة ؟ قال : نعم . قال : من يأتيك ؟ قال : رحمن . قال : أفي نور أو في ظلمة ؟ قال : في ظلمة . قال طلحة : أشهد أنك كذاب ، وأن محمدا صادق ، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر ؟ . ولما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكان طليحة قد تنبأ واستطار أمره في بعض قبائل من العرب ، وكان بين غطفان وأسد حلف في الجاهلية ، قام عيينة بن حصن في غطفان فقال : إني لمجدد الحلف الذي بيننا في القديم ومتابع طليحة ، واللّه لأن نتبع نبيا من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع نبيا من قريش ! فتأمل .